محمد أبو زهرة

3940

زهرة التفاسير

العلماء المسلمين قال : إن إدراك اللّه تعالى تدركه البديهة السليمة ؛ لذا سمى دين التوحيد ، فطرة اللّه التي فطر الناس عليها . وقد نص على عهد اللّه في قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ( 172 ) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ( 173 ) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 174 ) [ الأعراف ] . ولم يترك الناس بعد هذا العهد الذي أخذ بمقتضى الفطرة ، بل وثّقه بميثاق ، ولذا قال تعالى : مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وهذا الميثاق الذي وثق به الرسل الذين أرسلهم مبشرين ومنذرين . . . وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ ( 24 ) [ فاطر ] ، وقال تعالى : . . . وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ( 15 ) [ الإسراء ] . ولقد جاءت النذر بهلاك الأمم التي فسقت عن عهدها ، فكان ذلك توثيقا بعد توثيق ، وإنذارا بعد إنذار ، ومع ذلك نقضوا عهد اللّه من بعد ميثاقه . الصفة الثانية : قطعهم ما أمر اللّه به أن يوصل من الأرحام ، والعلاقات الاجتماعية الفاضلة على ما بينا في معنى قوله تعالى في صفات المؤمنين : وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ . الصفة الثالثة : أشار إليها سبحانه وتعالى بقوله : وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ الفساد في الأرض ألا يقوم فيها النظام الاجتماعي على التكافل بين الآحاد ، ومعاونة بعضهم ، وألا يستعلى قوى على ضعيف ، وألا يندغم الضعفاء في الجماعة ، وألا يراعى لهم حق ، وأن يكون التفاوت الظالم بين الآحاد ، وألا يكون ضابط يحمى الضعفاء من الأقوياء والأغنياء من الفقراء ، وأن يسود الظلم من الحكام لرعاياهم ، فإن ذلك فسادا أي فساد ، وقد رأينا حكاما ظالمين يقتلون الرعية بغير حق إلا أن يقولوا ربنا اللّه ، واللّه أكبر ، ويدعون أنهم يصلحون وهم المفسدون ؛ لأن أساس كل نظام العدل . إفساد أي حكم بالظلم أولا ، وما يتبعه